Biography
عمر الفايز
Khanate of pure intellect
بدأ الأمر في مصر — أعني على أرضها على الأقل وفي الزمن الحادث على نحو طبيعي. لا ريب أنك قد لاحظت قصوري عن التحدث طويلا دون سخرية أو نفور من الرسمية. كم أمقت البذات والمعانق والدبلوماسية المخادعة، وكم أوقر الرجل الذي يسعه أن يقول بصراحة: أنا لك عدو.
جئت في السنوات الأولى من القرن الخامس عشر الهجري وفي السنوات الأخيرة من القرن العشرين الميلادي — وُلدت في عائلة نصفها عربي ونصفها تركي: أب من أصل نجدي نشأ في مصر؛ وأم من نسل قرشي هاشمي وتركي، نشأت هي أيضًا في مصر. طفل من زمن الخلافة المعلقة. واحد من أهل مصر.
بدأت المرحلة الأولى في تشكُّل هذه الشخصية حين عهدت بي أسرتي إلى الأزهر الشريف — كما سُلِّم الظاهر بيبرس طفلًا إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب. وهذه إشارة إلى الرِّقّ لا إلى السلطنة. لُقّنت القرآن، ودُرِّبت على الفقه والعلوم الإسلامية، وأنا لا أزال أتعلم اللغة نفسها. الأزهر لا يمزح، ولا يعترف بالطفولة؛ وكأنه ينتظر منك أحيانًا تحقيقًا نقديًا لمتنٍ كُتب قبل ألف عام، بلغةٍ تراثية استُخدمت على امتداد تلك الألفية، على أن تُنجزه قبل الثانية عشرة من عمرك، وأن يوافق إجماع أهل العلم — وإلا فأنت عارٌ على صرحٍ قام لقرون. أمزح، بالطبع؛ فذلك مجرد ما يبدو من الخارج.
حين درستُ الأردية لاحقا في الجامعة، أخبرني أستاذي الباكستاني —د. غلام قمر، والذي لطالما دعاني فاروق لأجل أن اسمي عمر— أن الطالب الأزهري في المرحلة الثانوية يُعَدُّ عند أهل باكستان عالما. وقد قضيت معظم سنواتي في الجامعة معتقدا أن الأستاذ قمر كان يبالغ في مدحنا، لأكتشف عند تخرجي أن الأزهر يمتنع عمدًا عن جذب انتباهنا إلى مدى قوة تأسيسنا — حتى يصون تواضعنا. أيعقل أن يكون ذلك هو السبب في معاملة العبيد التي كنا نتلقاها أيضا؟
أتذكر أنه في سن الرابعة عشرة، سألني صديق ابن عمي — متحدثًا بلهجة ثقافة الشباب، عن كيفية أن يصبح المرء مثيرًا للإعجاب — إن كنت أعرف كيف يصبح الرجل أميرًا. أجبت كما قد يفعل نموذج لغوي: بسرد فقهي دقيق لشروط البيعة، مميزًا بين الإمارة والإمامة العظمى والولاية المقيدة. حدّق الصبي بي بدهشة، ثم التفت إلى ابن عمي وقال:إنه يمزح، أليس كذلك؟ ما كنت أمزح. بل لم أدرك الغاية الأصلية من السؤال. لقد انتقلت مباشرةً من محاكاة امتدت منذ بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) وحتى سقوط دولة بني عثمان إلى واقع الخلافة المعلقة. وقد أدركت متأخرا أنه ليس ثمة خليفة منذ مائة سنة.
ربما تبدأ رحلتي مع اللغات بالإنكليزية، والتي رافقتني منذ نعومة أظافري، متبوعة بالإفرنسية، وهي مادة مفروضة تقريبا على كل طالب أزهري في المرحلة الثانوية. أنهيت المرحلة الثانوية بالمركز الأول —بالاشتراك مع اثنين من زملائي؛ وقد كنا فرقة واحدة— في مسابقة أوائل الطلاب الأزهرية على مستوى القاهرة، وهي مسابقة كانت ستستمر على مستوى البلاد قبل أن تُلغَى في ذات العام لأسباب تتعلق بظروف البلاد. وأعتقد أنها لو استمرت، لحصلت على المركز الأول على مستوى البلاد أيضا.
التحقت بكلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر. لماذا؟ لا أعلم تمامًا. كنت أحب الجبر والفيزياء والفلك؛ كنت أستطيع شرح نظرية النسبية لآينشتاين وتحديد لحاء الشجرة بدقة بيولوجية — ومع ذلك اخترت الطريق الأدبي بشيء من الشراسة وبراءة خدمتني لاحقًا ولم تخدمني في البداية، خاصة عندما بدأت الحياة تفرض متطلباتها المادية. لا أشك أنني لو التحقت بالهندسة، لانتهى بي المطاف كارها للهندسة التي أحبها، ولم أكن لأمتلك هذا اللسان — بل هذه الألسن.
التحقت في السنة الأولى بقسم اللغة الأردية، وكانت الفارسية مفروضة على من يلتحق بذلك القسم — يعني ذلك أنني كنت أدرس ثلاث لغات في آن واحدة (مع الألمانية كلغة ثانية). تحولت لاحقا إلى قسم اللغة الألمانية، وهي لغة قد أسرتني منذ الثانوية لرخامة أصواتها، التي تقارب العربية، ولتماسك ثقافتها التاريخية، ولمجد الناطقين بها على أحقاب كثيرة من تاريخهم. وأخذت التركية كلغة ثانية، لأجد أن ما ورثته عرقيا قد تخطى أي شيء احتواه المنهج. لم أدرس لاختبار لغة تركية في حياتي. وليس ذلك لأنني طليق في التركية بل لأن اختبارات اللغة الثانية بسيطة دائما.
تخرجت وبدأت العمل في الترجمة الهندسية المعمارية — مجال لم أتلقَ فيه أي تدريب جامعي على الإطلاق. تفوّقت فيه إلى حد أن العملاء أبلغوني بأن قرّاءهم الألمان أعربوا عن إعجابهم بترجماتي. لا أرغب في أن أبدو متفاخرًا — لكن الألمان لا يعربون عن الإعجاب بأي شيء. عندما يسرّهم شيء بشدة، يقولون إنه ليس سيئًا. تخيل، إذا، ما يعنيه أن يظهر إعجاب حقيقي مرئي، في عصر لم يكن فيه بعد أي نموذج لغوي على الإطلاق.
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: أين تتداخل هندسة البرمجيات مع كل هذا؟
إن ما لوّح بسيفٍ مرةً أمام ناظري ليس ينبغي له أن يجرؤ على التلويح به مرةً أخرى. وإن اختطفت آلةٌ مهارةً كنتُ أكتسب بها رزقي، فتلك الآلة نفسها يجب أن تخضع لسلطاني. كان الثغر شبه فارغ، وكان سدّه فرضُ كفاية — وقد صادف ذلك ميلي وجبلّتي. فكان ما شاء الله أن يكون.
الإجابة الأولى هي داء السكري من النوع الأول — وأنا أحد مرضاه. لقد قمتُ ببناء ترياق لمساعدتنا في تحديد جرعات الإنسولين المناسبة للوجبات المختلفة دون الحاجة إلى ورقة وقلم وحساب معقد قبل كل لقمة — وهو أمر يميل إلى جذب الكثير من الانتباه حين يُدعى المرء إلى العشاء.
أما الإجابة الثانية فهي قهرمان — تطبيق شخصي لإدارة المهام لأولئك الذين تمتد معارفهم وأنشطتهم عبر مجالات متعددة، وُلدت فكرته في ذهني منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، حين كنت لا أزال في المدرسة الثانوية. حاولت تحقيقه في Excel، ثم في Evernote — أسخف تطبيق ملاحظات شخصية في العالم — ثم في Notion، ثم في Obsidian، حتى تعلمت البرمجة بنفسي وأطلقت قهرمان 1، ثم قهرمان 2، والآن يستمر العمل على قهرمان 3، الذي لا يشبه أيًا من سابقَيه بأي شكل من الأشكال.
الحقيقةُ الشاملةُ هي أن البرمجة لم تنشأ قطّ من شغفٍ تقنيٍّ مُجرَّد، بل كانت في كل مرة تنبع من حاجةٍ حقيقيةٍ لم يُلبِّها أحد، فتولّيتُ أنا تلبيتها بنفسي.
لطالما كرهت فكرة أن أصبح معلمًا. سألني أعز معلميّ اللغة الإنكليزية الأستاذ طارق ذات مرة حينما كنت لا أزال طفلا بالمعهد عما أحلم أن أكون عليه حين أتخرج. وعندما ذكرت كلية اللغات والترجمة اعترض على عدم اختياري تخصصا علميًا أكثر تناسبا مع قدراتي العقلية — ثم سألني: وماذا ستصبح بعد التخرج؟ معلمًا؟ فقلت: كلا. لا رغبة لي في أن أكون معلمًا.
لقد كررت هذا الادعاء مرات عدة. ربما كان ذلك لأجل ما عاصرته من معاملة المجتمع المختلة للمعلم بلا اعتبار لمكانته. وربما لأجل أن التدريس لم يبد لي تجارة رائجة.
مضت الأيام ثقيلةً — والمصائب، كما يقول ويليام شكسبير، لا تأتي فرادى كالجواسيس، بل سرايا كالجيش. ولم يحدث شيء… باستثناء الألم.
بدأت التدريس في المساجد سنة 1445 هجرية والتي وافقت 2022 رومية — وكان ذلك حين دُعِيتُ لتدريس الأطفال في الحلقات الصيفية. وقد جاء أغلب عملي بالتدريس على هذا النحو: دعاني أحدهم، أو طلبني أحدهم، ولم أذهب قط من تلقاء نفسي ولا برغبة مني.
في تلك السنوات أدركت الكارثة، وفهمت كم كنت غبيًّا. ومن اللحظة الأولى التي بدأت فيها التدريس، شعرت أن التخلي عنه خيانة للطفل وخيانة للأمة. لاحقًا اتجهت إلى تعليم غير الناطقين بالعربية عبر الإنترنت، حيث وجدت الفجوة تتسع أكثر فأكثر. ورأيت في هذا الوضع مؤذن بخراب عظيم.
وهكذا بنيت نظامية.
وُلدت «نظامية» من المعاناة اليومية في الصف: دفاتر متناثرة، وادعاءات مستمرة بأن الأخ الأصغر مزق كراسة التمرين، أو أن الكلب أكلها — لتجنب معرفتي بما يجب تلاوته في ذلك اليوم. المراجعة في نفس يوم التلاوة. لا توجد أي بيانات أداء موحدة في وعاء واحد. «نظامية» تطبيق لإدارة المعرفة الدينية وتنظيم التعليم الإسلامي — حفظ القرآن، مناهج الدراسات الإسلامية، ودروس مكتوبة لكل طالب على حدة وفق ما أعرفه عنهم، لا اعتمادًا على كتاب رقيق كُتب عند مطلع الألفية وتستخدمه كل أكاديمية تقريبًا بلا تفكير أو تردد.
مؤخرًا، وبعد ربط «نظاميّة» بنموذجٍ لغوي، أصبحت قادرةً على قراءة ملاحظات المعلّم في الجلسات وتخزينها في ذاكرةٍ مضغوطة، يستند إليها النموذج في توليد تحليلاتٍ للشخصية وتوجيه المعلّم إلى أنسب السبل للتفاعل مع كل طفل.
كوني يتيمًا، جعلتني تجربتي مع الأيتام في المجال التعليمي أفهم أن النظام يجب أن يعالج هذه الظروف الخاصة بذكاءٍ وحكمة. صممتُ نظام الحوافز — النقاط والعملة الافتراضية التلعيبية لكل نشاط — بناءً على توصية من أحد أولياء أمور طلابي. وما لا يعرفه ولي الأمر الذي اقترح الفكرة هو أن النظام لا يتصرف بشكل مختلف فقط حسب المواد الموكلة للطفل، بل حسب الظروف النفسية للطفل أيضًا. الأيتام والأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة يجمعون النقاط بمعدل تعويضي، كاعتذار عن جنون العالم الحادث.
كُتِبَت خوارزميةُ الحوافز منذ البداية لتُقيم العدل حتى على مهندس النظام نفسه. لا يُسمح لأحد بتعديل الأرصدة يدويًا. ولا يمكن لأية معاملة أن توجد بلا سبب. تفرض بنية النظام على المعلّم اختيار سببٍ من قواعد الكسب المحددة مسبقًا، وهي التي تُحدِّد بدقةٍ رياضية وزن المهمة ومكافأتها المقابلة. وقريبًا سأجعل من المحال بنيويًا — حتى عليّ بصفتي مهندس النظام — أن أُعدِّل رصيد أي طفل يدويًا.
العدل في كل هيئة وتجلي. عدل محض. عدل بحت.